الشوكاني

474

فتح القدير

الشك فيه على اختلاف التفاسير في الشاك هو الحق الذي لا يخالطه باطل ولا تشوبه شبهة ، ثم عقبه بالنهي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الامتراء فيما أنزل الله عليه ، بل يستمر على ما هو عليه من اليقين وانتفاء الشك . ويمكن أن يكون هذا النهي له تعريضا لغيره كما في مواطن من الكتاب العزيز ، وهكذا القول في نهيه صلى الله عليه وآله وسلم عن التكذيب بآيات الله ، فإن الظاهر فيه التعريض ولا سيما بعد تعقيبه بقوله - فتكون من الخاسرين - وفى هذا التعريض من الزجر للممترين والمكذبين ما هو أبلغ وأوقع من النهي لهم أنفسهم ، لأنه إذا كان بحيث ينهى عنه من لا يتصور صدوره عنه ، فكيف بمن يمكن منه ذلك . قوله ( إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ) قد تقدم مثله في هذه السورة ، والمعنى : أنه حق عليهم قضاء الله وقدره بأنهم يصرون على الكفر ويموتون عليه لا يقع منهم الإيمان بحال من الأحوال ، وإن وقع منهم ما صورته صورة الإيمان كمن يؤمن منهم عند معاينة العذاب فهو في حكم العدم ( ولو جاءتهم كل آية ) من الآيات التكوينية والتنزيلية ، فإن ذلك لا ينفعهم لأن الله سبحانه قد طبع على قلوبهم وحق منه القول عليهم ( حتى يروا العذاب الأليم ) فيقع منهم ما صورته صورة الإيمان وليس بإيمان . ولا يترتب عليه شئ من أحكامه . قوله ( فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها ) لولا هذه هي التحضيضية التي بمعنى هلا كما قال الأخفش والكسائي وغيرهما ، ويدل على ذلك ما في مصحف أبي وابن مسعود " فهلا قرية " والمعنى : فهلا قرية واحدة من هذه القرى التي أهلكناها آمنت إيمانا معتدا به ، وذلك بأن يكون خالصا لله قبل معاينة عذابه ولم يؤخره كما أخره فرعون ، والاستثناء بقوله ( إلا قوم يونس ) منقطع ، وهو استثناء من القرى لأن المراد أهلها : والمعنى : لكن قوم يونس ( لما آمنوا ) إيمانا معتدا به قبل معاينة العذاب أو عند أول المعاينة قبل حلوله بهم ( كشفنا عنهم عذاب الخزي ) وقد قال بأن هذا الاستثناء منقطع جماعة من الأئمة منهم الكسائي والأخفش : والفراء ، وقيل يجوز أن يكون متصلا ، والجملة في معنى النفي ، كأنه قيل : ما آمنت قرية من القرى الهالكة إلا قوم يونس ، وانتصابه على أصل الاستثناء . وقرئ بالرفع على البدل . وقال الزجاج في توجيه الرفع : يكون المعنى غير قوم يونس ، ولكن حملت إلا عليها وتعذر جعل الإعراب عليها ، فأعرب الاسم الذي بعدها بإعراب غير قال ابن جرير : خص قوم يونس من بين الأمم بأن تيب عليهم من بعد معاينة العذاب ، وحكى ذلك عن جماعة من المفسرين . وقال الزجاج : إنه لم يقع العذاب ، وإنما رأوا العلامة التي تدل على العذاب ، ولو رأوا عين العذاب لما نفعهم الإيمان ، وهذا أولى من قول ابن جرير ، والمراد بعذاب الخزي الذي كشفه الله عنهم ، وهو العذاب الذي كان قد وعدهم يونس أنه سينزل عليهم ولم يروه ، أو الذي قد رأوا علاماته دون عينه ( ومتعناهم إلى حين ) أي بعد كشف العذاب عنهم متعهم الله في الدنيا إلى حين معلوم قدره لهم . ثم بين سبحانه أن الإيمان وضده كلاهما بمشيئة الله وتقديره ، فقال ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ) بحيث لا يخرج عنهم أحد ( جميعا ) مجتمعين على الإيمان لا يتفرقون فيه ويختلفون ، ولكنه لم يشأ ذلك لكونه مخالفا للمصلحة التي أرادها الله سبحانه ، وانتصاب جميعا على الحال كما قال سيبويه . قال الأخفش : جاء بقوله جميعا بعد كلهم للتأكيد كقوله - لا تتخذوا إلهين اثنين - ولما كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم حريصا على إيمان جميع الناس أخبره الله بأن ذلك لا يكون ، لأن مشيئته الجارية على الحكمة البالغة والمصالح الراجحة لا تقتضي ذلك ، فقال ( أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ) فإن ذلك ليس في وسعك يا محمد ولا داخل تحت قدرتك ، وفي هذا تسلية له صلى الله عليه وآله وسلم ودفع لما يضيق به صدره من طلب صلاح الكل ، الذي لو كان لم يكن صلاحا محققا بل يكون إلى الفساد أقرب ، ولله الحكمة البالغة . ثم بين سبحانه ما تقدم بقوله ( وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله ) أي ما صح وما استقام لنفس